الملاحظات

كل يوم عاشوراء و كل أرضٍ كربلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-01-2013, 07:10 AM   #1
اللآطمـه على فاطمـه


~ ياصاحب الزمان اغثني~


الصورة الرمزية اللآطمـه على فاطمـه
اللآطمـه على فاطمـه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 14967
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 أخر زيارة : 19-08-2014 (07:11 AM)
 المشاركات : 1,665 [ + ]
 التقييم :  10657
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيآ لو طيف .. يآ صاحب الزمان ..عذبني الغياب .. يا أغلى الأحبآب
لوني المفضل : Black
Hussain 3 البلآغات الأخلآقية



بسم الله الرحمن الرحيم
الهم صل على محمد وال محمد

البلاغات الأخلاقيّة

إيضاح

الأخلاق إحدى ركائز الدين الثلاث، إذ إنّ الإسلام قائم على ثلاث ركائز أساسيّة هي: "العقائد" و"الأحكام" و"الأخلاق"، ذلك لأنّ تتميم القيم الأخلاقيّة الحميدة وصبغ صفات النّاس وتصرّفاتهم بالصبغة الإلهيّة من أهمّ أهداف بعثة الأنبياء عليهم السلام، بل إنّما هي الهدف الأساس، فقد ورد عن الرسول الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إنّما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق"1.
فتهذيب نوازع الإنسان وتصرّفاته، وزرع بذور الكمالات الأخلاقيّة والخصال الإنسانيّة السامية في أعماق روح الإنسان، غاية مهمّة جدّاً أو هي الأهمّ في رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، ويشكّل قول المعصوم عليه السلام وفعله المصدر الوثيق والمنبع العذب الثرّ الذي نتلقّى عنه ونتعلّم الأخلاق منه، ذلك لأنّ المعصومين عليهم السلام هم "الأسوة" والمظهر الأعلى والأتمّ للخصال الإنسانيّة التي يرضاها الله تبارك وتعالى.
ولقد كانت عاشوراء الأفق المبين الذي تجلّت فيه ذروة مكارم الأخلاق في أقوال وأفعال الإمام الحسين عليه السلام، الحجّة المعصوم، وفي أقوال وأفعال أهل بيته وأنصاره الذين كانوا يستهدون بهداه ويستنيرون بنوره.

إنّ واقعة كربلاء بما كان فيها- ممّا أثبته التاريخ لنا- من روحانيّة وأخلاق وسجايا سامية تجلّت في أقوال وأفعال أبطال ملحمة عاشوراء، تشكّل منبعاً أثيراً ومصدراً نفيساً لتعلّم الأخلاق والإقتداء بالأسوات الحسنة في طريق تزكية النفس، وفي السلوك الاجتماعيّ، وفي التربية الدينيّة، وتحقيق الكرامة الإنسانيّة.


وتتجلّى "البلاغات الأخلاقيّة" لعاشوراء في قضايا مثل: الصبر، والإيثار، والفتوّة، والوفاء، والعزّة، والشجاعة، والتحرّر من تعلّقات الدنيا، والتوكّل، ومجاهدة النفس، والمواساة، والنبل، وغيرها... إذ إنّ في كلّ زاوية من زوايا هذه الواقعة الخالدة يمكننا أن نشاهد تجلّياً من تجلّيات الأخلاق الحميدة العالية الصادرة عن معسكر الإمام الحسين عليه السلام.

التحرّر
الحريّة مصطلح حقوقيٌّ واجتماعيّ يقابل مصطلح العبوديّة، أمّا التحرّر فهو أرفع وأعلى من الحريّة، إنّه الانعتاق من القيود والتعلّقات المذلّة المهينة.
إنّ انشداد الإنسان إلى الدنيا وتعلّقه بها، وبالثروة، والعشيرة، والمقام، والبنين، و... يشكّل مانعاً للإنسان من الوصول إلى الحريّة الروحيّة، وإنّ الخضوع والاستسلام لأسر الأمانيّ والتعلّقات الماديّة علامة ضعف الإرادة البشريّة.
وإذا كان كمال الإنسان وقيمته في الروح السامية، والهمّة العالية، والسجايا الحميدة، فإنّ بيع الإنسان نفسه للدنيا والشهوات نوع من الرضا بالحقارة، والقبول بالثمن البخس لنفسه، يقول الإمام عليّ عليه السلام:"ألا حُرٌّ يَدَعُ هذه اللّماظةَ لأهلها؟! إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها إلّا بها"2.
فالتحرّر إذن هو أن يعرف الإنسان كرامته وشرفه، ويأبى الهوان والذلّة، ويترفّع عمّا يشينه، ويتعالى عمّا يحقّره، ويخلُص من أسر الدنيا، ويحرص على القيم الإنسانيّة فلا يفرّط بها.
وفي منعطفات الحياة الدنيا والتواءاتها، وصعودها ونزولها، طالما شاهدنا أُناساً رضوا بكلّ أنواع الحقارة والمهانة من أجل الحصول على الدنيا، أو بسبب الحرص على ما في أيديهم من مكاسبها، أو من أجل تحقيق أمنياتهم ومشتهياتهم، أو من أجل بقاء أطول لعدّة أيّام أُخر فيها، أمّا الأحرار فربّما بذلوا الأرواح ثمناً للحياة العزيزة الكريمة


التي لا يرضون إلّا إيّاها، رافضين العيش مع الذلّ، يقول الإمام الحسين عليه السلام:"موتٌ في عزّ خيرٌ من حياةٍ في ذلّ"3.
هذه هي نظرة الأحرار إلى الحياة، ولقد كانت نهضة عاشوراء مظهراً جليّاً من مظاهر التحرّر في شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام وشخصيّات أهل بيته وأنصاره المستشهدين بين يديه، فلو لم يكن ذلك التحرّر، لما كان ذاك الإباء، ولأعطى الإمام عليه السلام البيعة، ولما قتل، لكنّ أبيَّ الضيم وأبا الأحرار عليه السلام لمّا أرادوا منه البيعة ليزيد قهراً، امتنع وأبى، وكان منطقه:
"لا والله! لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد"4.
لقد كان ميدان كربلاء تجلّياً آخر لهذا التحرّر أيضاً، تجسّد في اختيار أحد أمرين ركز بينهما ابن زياد، وهما القتل أو الذلّة، فكان اختيار الأحرار هو الاستشهاد بحدّ السيف ورفض الذلّة، هكذا جاء الجواب على لسان الإمام عليه السلام:
"ألا وإنّ الدّعيَّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السّلّةِ والذلّة! وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام..."5.
وفي حملاته يوم عاشوراء كان عليه السلام يرتجز ويقول:
"الموتُ أولى من ركوب العار والعارُ أولى من دخول النّار"
إنّ الروح التحرّريّة التي تملأ كيان الإمام عليه السلام هي التي حرّكته وهو صريع مثخن بالجراحات ليخاطب الأعداء الذين هجموا على خيامه فروّعوا النساء والأطفال، قائلاً لهم:
"إنْ لمْ يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم"6.
ولقد تجسّد هذا النهج التحرّريّ أيضاً في أخلاق وسجايا أنصار الإمام الحسين عليه السلام عامّة، وفي شهداء الطفّ خاصّة، فهذا مسلم بن عقيل عليهما السلام طليعة النهضة


الحسينيّة في الكوفة، لمّا واجه جيش ابن زياد الذي أحاط ببيت "طوعة" ليأسرّه أو يقتله، كان يقاتلهم وهو يرتجز معلناً عن هذه الروح التحرّريّة:
أقسمتُ لا أُقتلُ إلّا حرّا وإنْ رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا
كلّ امرئ يوماً مُلاقٍ شرّا ويخلط البارد سخناً مرّا
رُدَّ شعاع الشمس فاستقرّا أخافُ أن أُكذبَ أو أُغَرّا7
ولمّا برز الأخوان الغفاريّان عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة إلى ميدان القتال يوم عاشوراء كان من رجزهما هذا البيت الكاشف عن روح التحرّر هذه:
يا قوم ذودوا عن بني الأحرار بالمشرفيّ والقنا الخطّار8
وكان الحرّ بن يزيد الرياحيّ (رضوان الله عليه) مصداقاً بارزاً آخر لهذه الحريّة وهذا التحرّر، إذ كانت روحه التحرّريّة السبب في ألّا يكون من أهل جهنّم من أجل الدنيا والرئاسة، حيث خيّر نفسه بين الجنّة والنّار، فاختار الجنّة في أصعب المواقف، واشتراها في ظلّ الشهادة، حيث تاب إلى الله تعالى، وانفصل عن جيش ابن زياد وانضمّ إلى أبي عبد الله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، فلم يزل يقاتل بين يديه قتال الأبطال حتّى صرع، "فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتّى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: أنت الحرّ كما سمّتك أمُّك، وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحرّ في الآخرة".
ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام، وقيل: بل رثاه عليّ بن الحسين عليه السلام:
لَنِعْمَ الحرُّ حُرُّ بني رياح صبورٌ عند مختلف الرماح
ونعم الحرُّ إذ نادى حسيناً فجاد بنفسه عند الصياح
فيا ربيّ أضفه في جنان وزوّجه مع الحور الملاح9

ومن بعد عاشوراء... إذا تأسّى دعاة الحريّة وأحرار العالم في حربهم من أجل الاستقلال والخلاص من الظلم ومن الطواغيت ببطولات شهداء كربلاء فإنّما يتأسّون بهم في ظلّ هذا الدرس بالذات، درس "التحرّر" الذي هو تحفة عاشوراء لجميع الأجيال إلى قيام الساعة، إذ إنّ الأحرار في لحظات الاختيار الحسّاسة، ومواقف اتخاذ القرار الصعبة، هم الذين يختارون الموت الأحمر والمواجهة الدمويّة والتضحية بالنفس ليصلوا بذلك إلى سعادة الشهادة، وليحرّروا مجتمعهم من التعاسة ومن كلّ ظلم.


الإيثار
الإيثار تقديم الغير على النفس، سواء بالمال أو بالروح، وهذه الخصلة الأخلاقيّة إحدى الخصال السامية التي أثنى عليها القرآن الكريم كثيراً، وكذلك الأحاديث الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتنشأ هذه الخصلة الأخلاقيّة الكريمة عن تحرّر الإنسان من "حبّ الذات".
لقد أثنى القرآن الكريم على المؤمنين الذين يقدّمون الآخرين على أنفسهم مع حاجتهم الشديدة إلى ما في أيديهم، وذلك في قوله تعالى: ?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ?10.
إنّ التنكّر لرغبات النفس وتجاوزها، والإغماض عن كلّ التعلّقات، من أجل إنسان آخر، وفي سبيل إنسان آخر، هو الإيثار، وأسمى الإيثار الإيثار بالدم وبالروح، إنّ المؤثر حقّاً هو الإنسان المستعدّ فعلاً لبذل وجوده وروحه فداءً لدين الله تبارك وتعالى، أو الذي ينكر ذاته ورغباته في سبيل مرضاة الله تعالى.
وفي ميدان عاشوراء كان أوّل المؤثرين سيّد الشهداء عليه السلام، الباذل نفسه وأنفس أهل بيته وأنصاره فداءً لدين الله، المقدّم مرضاة ربّه على كلّ شيء، والدّاعي النّاس إلى ذلك الفداء أيضاً لمّا عزم على التوجّه من مكّة إلى كربلاء في قوله عليه السلام:
"من كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإنّي راحلٌ


مصبحاً إنْ شاء الله"11.
أمّا أنصاره عليه السلام فقد رسموا أروع وأسمى صور الإيثار في بذلهم أنفسهم فداءً لإمامهم عليه السلام، وفي حركة أحداث النهضة الحسينيّة لقطات كثيرة مذهلة لمشاهد عديدة من الإيثار في غاية الجمال والسموّ والإشراق منها مثلاً: حينما علم ابن زياد أنّ مسلم بن عقيل عليه السلام في بيت هانئ بن عروة (رضوان الله عليه) ، احتال بمكره لإحضار هانئاً عنده، فلمّا أُحضر هانئ في مجلس ابن زياد، وعرّفه ابن زياد بدليله (وهو الجاسوس معقل) على وجود مسلم في بيته، وطلب منه تسليم مسلم إليهم، وحاول بعض أعوان ابن زياد إقناع هانئ بهذا الأمر، وحذّره من مغبّة الامتناع، قال هانئ (رضي الله عنه): "والله لو لم أكن إلّا واحداً ليس لي ناصرٌ لم أدفعه إليه حتّى أموت دونه!"12.
ولمّا حمل سيّدنا مسلم بن عقيل عليه السلام إلى قصر الإمارة، بعد أن كفّ عن قتالهم نتيجة للأمان الذي أعطاه إيّاه محمّد بن الأشعث، أحسّ مسلم عليه السلام بأنّ القوم لن يفوا بأمانهم، "فدمعت عيناه، فقال محمّد: إنّي لأرجو أن لا بأس عليك! فقال: ويحك! ما هو إلّا الرجاء فأين أمانكم؟! إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وبكى. فقال عبيد الله بن العبّاس السلميّ: من يطلب مثل الذي طلبت لا يبكي! فقال: إنّي والله ما على نفسي أبكي، لكنّي أبكي على أهلي المقبلين إليكم، أبكي على الحسين وآل الحسين"13.
إنّ هذا البكاء علامة الإيثار أيضاً، لأنّ مسلماً عليه السلام وهو على أعتاب الشهادة لم يبك حين بكى على نفسه، بل بكى للحسين عليه السلام القادم بمن معه من أهل بيته وأنصاره إلى الكوفة نتيجة للتقرير الذي رفعه إليه مسلم نفسه عليه السلام عن وضع الكوفة وأهلها، تلك المدينة المليئة بالخداع، وأهلها الذين نكثوا عهودهم.
ولمّا جمع الإمام الحسين عليه السلام أهل بيته وأصحابه ليلة عاشوراء، وخطب فيهم خطبته التي قال فيها: "أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي،



hgfgNyhj hgHogNrdm



 
 توقيع : اللآطمـه على فاطمـه


السلام عليك يامولاي ياصاحب الزمان السلام عليك ورحمة الله وبركاته
السلام عليك حين تقوم السلام عليك حين تقعد
السلام عليك حين تقرأ و تبين السلام عليك حين تصلي و تقنت السلام عليك حين تركع و تسجد
السلام عليك حين تحمد و تستغفر السلام عليك حين تهلل و تكبر السلام عليك حين تصبح و تمسي
السلام عليك في اللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى السلام عليك أيها الإمام المأمون
السلام عليك أيها المقدم المأمول السلام عليك بجوامع السلام
يامن يكفي من كل شيء ولايكفي منه شيء اكفنا ماأهمنا
علي علي علي




رد مع اقتباس
إعلانات جوجل أدسنس
قديم 28-01-2013, 07:12 AM   #2
اللآطمـه على فاطمـه


~ ياصاحب الزمان اغثني~


الصورة الرمزية اللآطمـه على فاطمـه
اللآطمـه على فاطمـه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 14967
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 أخر زيارة : 19-08-2014 (07:11 AM)
 المشاركات : 1,665 [ + ]
 التقييم :  10657
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيآ لو طيف .. يآ صاحب الزمان ..عذبني الغياب .. يا أغلى الأحبآب
لوني المفضل : Black
افتراضي رد: البلآغات الأخلآقية



ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا..."14.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: "لِمَ نفعلُ ذلك، لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً!" بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ واتبّعته الجماعة عليه، فتكلّموا بمثله ونحوه.

فقال الحسين عليه السلام:"يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل، فاذهبوا أنتم قد أذنت لكم"، فقالوا: "سبحان الله! ما يقول النّاس؟! نقول: إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟! لا والله! ما نفعل ذلك، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك!"15.

أمّا أصحابه عليه السلام فإنّ أسمى آيات الإيثار تجلّت في ما أجابوا به الإمام عليه السلام ليلة عاشوراء، تلك الإجابات المشهورة التي بيّضت وجه تأريخ الإنسانيّة إلى يوم الدين، إذ قاموا جميعاً قيام رجل واحد، فتتابعوا في الردّ على قول الإمام عليه السلام، مظهرين استعدادهم لبذل أنفسهم فداءً له، وعزمهم الراسخ على ذلك، في ردود مشرقة فذّة فريدة لا يزداد من يقرأها إلّا خشوعاً وإكباراً لهؤلاء "الشهداء العشّاق الذين لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق"16.

ونكتفي هنا من تلك الإجابات الكريمة بما أجاب مسلم بن عوسجة (رضوان الله عليه) حيث قام فقال: "أنحن نخلّي عنك؟! وبما نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟! لا والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمته في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة! والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا


غيبة رسول الله فيك، أما والله! لو علمت أنّي أُقتل، ثمّ أُحيى، ثمّ أُحرق، ثمّ أُذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك! فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبداً؟! "17.

نعم، هذا ولقد كان في إجابة سعيد بن عبد الله الحنفيّ، وزهير بن القين، وآخرين من أنصاره عليه السلام، تجلّيات نيّرة وخالدة لهذه الروح الإيثاريّة، وفي رواية أنّ جماعة من هؤلاء الأنصار قالوا: "واللهّ لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنّا وفَينا وقضينا ما علينا!"18.

نعم... إنّ الدماء التي تجري في عروقنا هدية فداء لإمامنا...

لمّا حمل جيش الكوفة عصر عاشوراء على مخيّم الحسين عليه السلام وأغار على من فيه، وأراد الشمر لعنه الله أن يقتل الإمام زين العابدين عليه السلام، تعلّقت مولاتنا زينب عليها السلام بالإمام عليه السلام قائلة للشمر: لا يُقتلُ حتّى أُقتل دونه 19!

يستطيع قائد النهضة بمعونة أنصار حماة من أهل الإيثار أن يمضي قدُماً على طريق النهضة في جميع المراحل الصعبة والخطرة، حتّى تحقيق الأهداف المنشودة من نهضته، أمّا إذا لم يكن لأنصاره استعداد لنكران الذات، وللإيثار بالأموال والأنفس، والتضحية بالعافية والسلامة والراحة، فإنّ هذا القائد يظلّ وحيداً مفرداً، ويبقى الحقّ مظلوماً وبلا ناصر.

وفي نهضة عاشوراء كان الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره من أهل بيته وأصحابه طاهرة قلوبهم وأيديهم من كلّ علائق الدنيا، وخاضوا غمار هذه النهضة آيسين من الحياة، ساعين إلى الشهادة كي يبقى دين الله حيّاً خالصاً، فقتلوا وأُسروا من أجل أن يحيى الحقّ والسنّة، وتموت البدعة، وتُحرّر الأمّة.

ومن روائع تجلّيات الإيثار يوم عاشوراء أنّ أنصار الإمام عليه السلام من أصحابه أبوا إلّا أن يخوضوا الحرب قبل الأنصار من بني هاشم، حتّى لا يصل إلى بني هاشم مكروه ما داموا هم أحياء! وكذلك أبى بنو هاشم أن يصل الأعداء إلى الإمام عليه السلام

وهم أحياء! ففدوه بأنفسهم حتّى استشهدوا جميعاً قبله فكان الحسين عليه السلام آخرهم حين نظر إلى وادي كربلاء فلم يجد أحداً من أنصاره قد بقي!

ولقد تجلّى الإيثار في أسمى صوره في مواقف وأخلاقيّات أبي الفضل العبّاس عليه السلام، ففضلاً عن رفضه الأمان الذي جاء به شمر من ابن زياد له ولإخوته من أمّه، وفضلاً عن جوابه الرائع بين يدي أبي عبد الله الحسين عليه السلام حيث قال مخاطباً الإمام عليه السلام:"والله يا ابن رسول الله لا نفارقك أبداً، ولكنّا نفديك بأنفسنا، ونقتل بين يديك، ونرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك"20. نجد أبا الفضل عليه السلام يوم عاشوراء وقد ملك شريعة الفرات بعد قتال عنيف مع الأعداء، وملأ القربة من الماء ليحملها إلى الإمام عليه السلام وأطفاله العطاشى، وكانت شفتا أبي الفضل عليه السلام ذابلتين وقلبه كصالية الجمر من العطش، فلمّا أحسّ ببرد الماء، ملأ كفّه الشريفة منه ليشرب، فلمّا أدناها من فمه الطاهر تذكّر عطش الحسين عليه السلام، فأبى إيثاره ووفاؤه أن يشرب قبل أخيه وأطفاله العطاشى، فألقى الماء، وخرج من الفرات وهو يتلظّى عطشاً، ويخاطب نفسه المقدّسة قائلاً:

يا نفسُ من بعد الحسين هوني وبعده لا كُنتِ أن تكوني

هذا الحسينُ واردُ المنون وتشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال ديني21

وحمل على القوم وهو يقول:

لا أرهب الموت إذا الموت رقى حتّى أوارى في المصاليت لقا

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا إنّي أنا العبّاس أغدوا بالسقا

ولا أخافُ الشرَّ يومَ الملتقى22

ولمّا قطعوا يمينه أخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز:

والله إنْ قطعتُم يميني إنّي أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين نجل النبيّ الطاهر الأمين23

كما تجلّى الإيثار في صورة رائعة من صوره في موقف سعيد بن عبد الله الحنفيّ (رضي الله عنه) يوم عاشوراء أثناء الصلاة وقت الزوال، حيث روي أنّ سعيد بن عبد الله تقدّم أمام الحسين عليه السلام فاستهدف له يرمونه بالنبل، فما أخذ الحسين عليه السلام يميناً وشمالاً إلّا قام بين يديه! فما زال يُرمى حتّى سقط إلى الأرض وهو يقول: "اللّهمَّ العنهم لعن عاد وثمود، اللّهمَّ أبلغ نبيّك عنّي السلام، وأبلغه ما لقيتُ من ألم الجراح، فإنّي أردتُ بذلك نصرة نبيّك. ثمّ مات، فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح"24. وفي رواية: "ثمّ التفت إلى الحسين عليه السلام فقال: أوَفيتُ يا ابن رسول الله؟ فقال: نعم، أنت أمامي في الجنّة! ثمّ فاضت نفسه النفيسة"25.

هذا الإيثار أخلاقيّة عاشورائيّة، ولكنّها قد تتوفّر في كلّ زمان في المؤمن العارف بحقّ إمام زمانه حقّ المعرفة، والمطيع له حقّ الإطاعة فيما يحبُّ ويكره، والمستعدّ لإيثار إمامه عليه السلام على نفسه، وللتضحية في سبيله.

تكريم الإنسان

المؤمن ذو قدر وكرامة في جبهة الحقّ، بخلاف جبهة الباطل التي ينظر أصحابها إلى النّاس نظرتهم إلى الوسائل التي يستعملونها لتحقيق رغباتهم ومصالحهم. وكرامة المؤمن تنشأ من قيمة الحقّ، والتقوى معيار درجاتها...

فالنّاس محترمون، ويحظون بالتكريم بسبب الإيمان، ذلك لأنّ منشأ كرامة المؤمن انتسابه إلى الحقّ بلحاظ إيمانه والتزامه به، أي أنّ التقوى معيار كرامة المؤمن ودرجاتها، فالأتقى هو الأكرم، وليس معيار التكريم لون الإنسان، أو لغته، أو قبيلته، أو أصله وقوميته، أو أرضه، أو...

وكان الإمام الحسين عليه السلام في نهضة عاشوراء قد منح جميع أنصاره أشرف أوسمة العزّة والكرامة، منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة، حين قال عليه السلام:

"أمّا بعدُ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي..."، وكان عليه السلام يحضر كلّ واحدٍ منهم عند مصرعه، فيأخذ برأسه ويضعه في حجره الشريف، ولم يفرّق بين أحد منهم في ذلك، إذ كما حضر عليّاً الأكبر عليه السلام، حضر مولاه وغلامه كذلك...

ولمّا استبصر الحرّ وتاب إلى الله تعالى، وانضمّ إلى معسكر الإمام عليه السلام، كان يحتمل في صدره الشكّ في قبول توبته، فكان سؤاله: "هل لي من توبة؟" كاشفاً عن أمله الكبير بنُبل وسماحة الإمام الحسين عليه السلام، ولقد حقّق الإمام عليه السلام أمله بهذه التوبة، إذ أعطى توبته إلى الله ورجوعه إلى الحقّ في مثل ذلك الموقف الصعب العسير



قيمة عليا حين أجابه: "نعم، يتوب الله عليك"26.

هذه القيمة السامية من استحقاقات مقام الإنسان التائب الذي حرّر نفسه من الظلمة وأوصلها إلى النور، فهو وإن كانت له سوابق وذنوب ثقيلة، إلّا أنه الآن آمن بالهدى، وهداه الله إلى النور.

كان "جون" مولى لأبي ذرّ (رضوان الله عليه)، وكان مع الحسين عليه السلام في ركبه من المدينة إلى كربلاء، فلمّا نشب القتال وقف أمام الحسين عليه السلام يستأذنه في القتال، فقال له الحسين عليه السلام:"يا جون! أنت في إذن منّي، فإنّما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقتنا". فوقع جون على قدمي أبي عبد الله عليه السلام يقبّلهما ويقول: " يا ابن رسول الله! أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدَّة أخذلكم؟! إنّ ريحي لنتن، وإنّ حسبي للئيم، وإنّ لوني لأسود، فتنفَّس عليَّ في الجنّة ليطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضَّ لوني، لا والله لا أفارقكم حتّى يختلط هذا الدمُّ الأسود مع دمائكم. فأذن له الحسين عليه السلام، فبرز وهو يقول:

كيف ترى الفجّار ضرب الأسوَدِ بالمشرفيِّ والقنا المسدّدِ

يذبُّ عن آل النبيّ أحمد

ثمّ قاتل حتّى قُتل"27.

وفي رواية أنّ الحسين عليه السلام وقف عليه وقال: "اللّهمَّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمّد وآل محمّد"28.

وروي عن الإمام الباقر عليه السلام، عن أبيه زين العابدين عليه السلام:"أنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك"29.



كان هذا مثالاً آخر أيضاً على تكريم الإنسان في ميدان الشرف والكرامة، إنَّ تقدير الإمام عليه السلام لتضحيات أنصاره تكريم للإنسان والإنسانيّة، لقد كان سيّد الشهداء عليه السلام يحضر مصارع الشهداء من أنصاره، فينظر إلى أجسادهم المضرّجة بالدماء، فيستنشق من تلك الأجساد الطّاهرة عطر الشهادة، فيثني عليهم ويُشيد بهم، ويذمُّ قاتليهم، قائلاً: "قتلةُ كقتلة النبييّن وآل النبيين!"30، إذ إنّ أولئك القَتَلَة كقَتَلَةِ الأنبياء عليهم السلام وآل الأنبياء! وهذا يعني أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يعتبر أنصاره الشهداء في نفس درجة الأنبياء عليهم السلام، وقَتَلَتهم كقَتَلَة الأنبياء.

إنّ الإشادة بالمؤمنين المضحّين في سبيل الله والدين وتمجيدهم بلاغ من بلاغات عاشوراء الأخلاقيّة، نتعلّمه من سلوك الإمام الحسين عليه السلام، فالمجتمع الذي يرث ثقافة الجهاد والشهادة ينبغي أن يُعظّم حرمة أُناسٍ آثروا على أنفسهم فاستشهدوا في سبيل الله تعالى، ويُعظِّم كذلك حرمة إخوانهم المعلولين وأسرى الحرب الأحرار، وعوائل الشهداء، حتّى يبقى هذا الخطّ الإلهيّ دائماً محبَّباً يجذب النّاس إليه جذباً قوّياً.


 

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2013, 07:18 AM   #3
اللآطمـه على فاطمـه


~ ياصاحب الزمان اغثني~


الصورة الرمزية اللآطمـه على فاطمـه
اللآطمـه على فاطمـه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 14967
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 أخر زيارة : 19-08-2014 (07:11 AM)
 المشاركات : 1,665 [ + ]
 التقييم :  10657
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيآ لو طيف .. يآ صاحب الزمان ..عذبني الغياب .. يا أغلى الأحبآب
لوني المفضل : Black
افتراضي رد: البلآغات الأخلآقية



التوكّل
إنّ الاستناد في الشدائد والمصاعب إلى ملاذ مقتدر متين سبب ثبات قدم الإنسان وعدم خوفه من مواجهة الأعداء والمشكلات، والتوكّل هو الاعتماد على قدرة الله تبارك وتعالى ونصرته وإمداده.

ولقد أمر القرآن الكريم المؤمنين أن يتوكّلوا على الله وحده، وكذلك أكّدت الروايات الإسلاميّة على هذا الأمر، وقد ورد فيها ما مؤدّاه أنّ من يلجأ إلى غير الله أو يتوكّل على غيره لا يزدد إلّا ذُلاً وخيبة.
وكان الإمام الحسين عليه السلام منذ بدء حركته من المدينة المنوّرة قد اختار هذا السبيل بالتوكّل على الله ماضياً إلى ما أمره به الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الله تبارك وتعالى وحده ملاذ الحسين عليه السلام ومعتمده في خروجه من مكّة المكّرمة إلى الكوفة، لا رسائل أهل الكوفة ولا دعواتهم إيّاه إلى القدوم إليهم، ولذا لم ينثن الإمام عليه السلام عن هذا التوجّه وهذا العزم لمّا جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل عليه السلام وتنصُّل أهل الكوفة عن عهودهم وتنكّرهم لها، بل أصرّ على المضيّ في هذا الطريق إلى الكوفة لأنّه كان ماضياً لأمر الله ومتوكّلاً ومعتمداً عليه وحده.
ومع حاجته عليه السلام إلى الأنصار إلّا أنّه لم يكن متوكّلاً ومعتمداً حتّى على أنصاره، ولذا نجد أنّ توكّله واعتماده على الله وحده كان أحد أسباب دعوته إيّاهم إلى التخلّي والانصراف عنه في أكثر من منزل من منازل الطريق عامّة وفي ليلة عاشوراء خاصّة.
كان الإمام عليه السلام منذ قيامه معتمداً على هذا التوكّل الذي لا يمكن معه لأيّ حادث أن يضعف من عزيمته عليه السلام، هذا التوكّل الخالص الذي أشار إليه الإمام عليه السلام منذ بدء قيامه في الوصيّة التي كتبها إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، حيث قال في ختامها: "وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلّت وإليه أُنيب"31.
وفي منزل الخزيميّة لمّا أصبح الإمام عليه السلام:أقبلت إليه أخته زينب بنت عليّ عليهما السلام فقالت: "يا أخي! ألا أُخبرك بشيء سمعته البارحة؟ فقال الحسين عليه السلام:وما ذاك؟
فقالت: خرجتُ في بعض الليل لقضاء حاجة، فسمعت هاتفاً يهتف وهو يقول:
ألا يا عينُ فاحتفلي بجهد ومن يبكي على الشهداء بعدي؟
على قوم تسوقهم المنايا بمقدار إلى انجاز وعد
فقال لها الحسين عليه السلام:يا أختاه! المقضيُّ هو كائنٌ"32.
وفي منزل البيضة، كان الإمام عليه السلام قد خطب خطبة في أصحابه وأصحاب الحرّ بن يزيد الرياحيّ، ذمّ فيها أهل الكوفة على عدم الوفاء بعهدهم وبيعتهم، وقال عليه السلام في ختامها معلناً عن اعتماده على الله وحده: "وسيغني الله عنكم"33.
وكان من دعائه عليه السلام في صبيحة عاشوراء لمّا رأى الأعداء قد أحاطوا بمعسكره قوله عليه السلام:"اللّهمَّ أنت ثقتي في كلّ كرب، وأنت رجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة..."34.
ومثل هذه المناجاة في ميدان القتال وعلى مشارف الشهادة لا تصدر إلّا عن قلبٍ متوكّل على الله تمام التوكّل، وفي خطبة أخرى خطبها عليه السلام في الأعداء صبيحة عاشوراء دعاهم فيها إلى الحقّ قال فيها: "وإنْ لم تعطوني النصف من أنفسكم، فأجمعوا رأيكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ أُقضوا إليَّ ولا تنظرون، إنّ وليِّي الله

الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين"35.
وقال عليه السلام في خطبة أخرى ذلك اليوم: "فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ كيدوني جميعاً فلا تنظرون، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم، ما من دابّة إلّا هو آخذٌ بناصيتها، إنّ ربّي على صراط مستقيم..."36.
ولمّا أخبره الضحّاك بن عبد الله المشرقيّ وصاحبه أنّ النّاس في الكوفة قد جُمعوا على حربه لم يكن ردّ الإمام عليه السلام على هذا الخبر إلّا أن قال: "حسبي اللهُ ونعم الوكيل"37.
هذه الخصلة السامية كانت ظاهرة في سلوك الإمام عليه السلام منذ بدء حياته، ولم تزل تتجسّد في كلّ حركة وسكنة منه، حتّى في مناجاته الأخيرة مع الله تبارك وتعالى بعد أن وقع صريعاً مثخناً بالجراح، إذ كان صلوات الله عليه قد ناجى ربّه في تلك الحال، وكان من مناجاته قوله: "... أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكّلُ عليك كافياً..."38.
وممّا ينبغي الانتباه إليه هنا أنّ هذا التوكّل على الله تبارك وتعالى منذ بدء قيامه وحتّى استشهاده عليه السلام كان مقترناً بالتدبير الدقيق والتخطيط الصائب وتهيئة المقدّمات اللازمة والتمهيدات الضروريّة من قبله عليه السلام في الصغيرة والكبيرة من حركة أحداث نهضته، حتّى لا يكون التوكّل منفصلاً عن التخطيط في العمل والاستفادة من الإمكانات المتاحة في الطريق إلى تحقيق الهدف المنشود، وهذا هو الفهم الصحيح والدقيق للتوكّل.
يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره)، المنادي بهذا التوكّل الخالص على الله تبارك وتعالى، والذي كان صوت الأمّة المتوكّلة على الله:
"إذا تخلّينا يوماً ما عن اعتمادنا على الله، واعتمدنا على النفط، أو على السلاح، فاعلموا أنّ ذلك اليوم هو اليوم الذي سنواجه فيه هزيمتنا"39.


ويقول في مكان آخر:
"اِتّكلوا على الله في جميع الأمور والأعمال، فالقدرات والقوى الأخرى لا شيء إزاء قدرة الله وقوّته... اِتّكلوا على الله تنتصروا على كلّ شيء، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رجلاً واحداً في مقابل جميع الأعداء، لكنّه بالاتّكال على الله انتصر على الجميع... ولأنّ اتّكاله كان على الله فقد كان جبرئيل الأمين من ورائه... أنتم أيضاً اتّكلوا على الله ليكون جبرئيل الأمين من ورائكم، ليكون معكم، ليكون الملائكة معكم"40.
جهاد النفس
جهاد النفس هو أسمى وأصعب وأكبر من جهاد العدوّ الخارجيّ، لأنّ جهاد النفس هو مجاهدة تمنيّات النفس وقهر أهوائها، والسيطرة على الغضب والشهوة وحبّ الدنيا، والتضحية بإرادة النفس في سبيل إرادة الله تبارك وتعالى.
وتهذيب وبناء النفس هذا ومجاهدتها، هو ركيزة وأساس جهاد العدوّ الخارجيّ، فبدون جهاد النفس يكون جهاد العدوّ بلا ثمر أو بلا ثواب، لأنّه سيكون سبباً للرياء، والعجب، والغرور، والظلم، وعدم التقوى.
إنّ من ينتصر في ميدان النفس "الجبهة الباطنيّة" ويقهر هوى النفس ينتصر أيضاً في الميادين الخارجيّة المختلفة، أمّا من يطلق لنفسه العنان ولا يكبح جماحها، بل يستجيب لها في كلّ ما تهوى وتتمنّى، فإنّ النفس الجموحة الأمّارة بالسوء، المتعوّدة على الخطايا لا تقنع حتّى تُردي صاحبها، بل تلقي به في جهنّم، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
"ألا وإنّ الخطايا خيلٌ شمسٌ، حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار!..."41.
وفي ميدان كربلاء، كان أبطال ملحمة عاشوراء من أهل جهاد النفس، فلم يكن للهوى ولشهوة الدنيا دخلٌ في دوافعهم، بل كانت نيّاتهم خالصة لله تبارك وتعالى، لذا فقد انتصروا على إغراءات المال، والمنصب، والشهوة، والعافية، والرفاه،

والحياة والبقاء، ومُتَع الدنيا.
..
كان عمرو بن قرظة الأنصاريّ (رضوان الله عليه)، من أنصار الحسين عليه السلام الذين استشهدوا بين يديه في وقعة الطفّ، وكان أخوه عليّ بن قرظة من أنصار عمر بن سعد، لكنّ مجاهدة عمرو لنفسه وتربيته لها كانت السبب في عدم تأثّر عمرو بالمحبّة والعاطفة الأخويّة بينه وبين أخيه، الّتي قد تؤدّي به إلى التراخي أو التردّد في الدفاع عن الإمام عليه السلام، ولذا فقد دافع عمرو عن الإمام عليه السلام دفاع الأبطال، وقاتل قتال المستيقنين حتّى استشهد (رضي الله عنه).
وكان محمّد بن بشر الحضرميّ (رضوان الله عليه) من أنصار الإمام عليه السلام، وكان قد جاءه في يوم عاشوراء خبر أسر ابنه بثغر الريّ، فقال: " عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحبُّ أن يؤسَر وأن أبقى بعده! فسمع الحسين عليه السلام قوله، فقال: رحمك الله! أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك!
فقال: أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك"42. وفي نصّ آخر أنّه قال: "هيهات أن أفارقك ثمّ أسأل الركبان عن خبرك! لا يكن والله هذا أبداً، ولا أفارقك! ثمّ حمل على القوم فقاتل حتّى قتل رحمة الله عليه ورضوانه"43.
وكانت لنافع بن هلال (رضوان الله عليه) وهو شهيد آخر من شهداء الطفّ، زوجة لم يدخل بها بعد، وكانت معه في معسكر الإمام عليه السلام، فلمّا رأت نافعاً يوم عاشوراء قد برز إلى القتال، تعلّقت بأذياله وبكت بكاءً شديداً، وقالت: " إلى أين تمضي!؟ وعلى من أعتمد بعدك؟!" وكان هذا المشهد كافياً ليزلزل عزم كلّ شاب في فترة الخطوبة فيثنيه عن الإقدام على الموت باختياره! وكان الإمام الحسين عليه السلام قد سمع قولها، فقال لنافع: "يا نافع! إنّ أهلك لا يطيب لها فراقك، فلو رأيت أن تختار سرورها على البراز؟" فقال نافع: " يا ابن رسول الله! لو لم أنصرك اليوم، فبماذا أجيب غداً رسول الله!؟ وبرز فقاتل حتّى قتل (رضوان الله عليه) "44.

وفي اليوم السابع من المحرّم لمّا اشتدّ على الحسين عليه السلام وأصحابه العطش، دعا أخاه أبا الفضل العبّاس عليه السلام فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيديّ قائد الحرس الأمويّ على الماء يومذاك: "من الرجل؟ فجيء! قال: ما جاء بك؟!
قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه!
قال: فاشرب هنيئاً!
قال: لا والله، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومَن ترى من أصحابه!"45.
وفي رواية أنّ عبد الله بن مسلم بن عقيل عليهم السلام لمّا استأذن الحسين عليه السلام في القتال، قال له: "أنت في حلٍّ من بيعتي، حسبك قتل أبيك مسلم، خذ بيد أمّك واخرج من هذه المعركة.
فقال: لستُ والله ممّن يؤثر دنياه على آخرته"46 !.
ولمّا ورد أبو الفضل العبّاس عليه السلام شريعة الفرات وقلبه يتلظّى من العطش، اغترف بيده غرفة من الماء ليشرب، فتذكّر عطش الإمام عليه السلام وأهل بيته، فرمى الماء من يده ولم يشرب حتّى استشهد47.
إنّ هذه الأمثلة، وأمثلة غيرها كثيرة، كلّ واحدٍ منها مظهر رائع من مظاهر انتصار أبطال ملحمة عاشوراء في ميدان "جهاد النفس"، فمنهم من ضحّى بعلقته بابنه أو زوجه على عتبة مذبح عشق الإمام عليه السلام، ومنهم من لم يُبال بعطشه القاتل إزاء عطش الإمام عليه السلام، ومنهم من لم ير لحياته معنى بعد حياة الإمام عليه السلام، ومنهم من لم يسمح لألم ولوعة شهادة أبيه أن يمنعاه من أدائه لتكليفه والقيام بواجبه.
إنّ رفض أبي الفضل العبّاس وإخوته من أمّه عليهم السلام لأمان ابن زياد الذي حمله
إليهم الشمر، وإنّ رفض أنصار الإمام عليه السلام من أهل بيته وأصحابه التخلّي عنه مع إخباره عليه السلام إيّاهم مراراً بأنّهم سوف يُقتلون، وإنّ رفض هانئ بن عروة لكلّ محاولات الترغيب والترهيب في أن يُسلّم مسلم بن عقيل عليه السلام إلى ابن زياد، حتّى آثر الاستشهاد على تسليم مسلم عليه السلام، وإنّ رفض الإمام الحسين عليه السلام أن يبدأ القوم بقتال يوم عاشوراء حتّى في رمية سهم ما لم يبدأوه بالقتال48، وإنّ رفض مسلم بن عقيل عليه السلام أن يغتال عبيد الله بن زياد في بيت هانئ لأنّه تذكّر حديثاً يرويه أمير المؤمنين عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:"أنّ الإيمان قيد الفتك"، فلم يخرج من مخبئه حتّى ترك ابن زياد المنزل49، وإنّ امتناع زينب الكبرى عليها السلام أن تخمش وجهها أو تشقّ جيبها امتثالاً لأمر الإمام عليه السلام مع كلّ ما عاشته قبل يوم الطفّ وفيه وبعده من مصائب ودواهي تزلزل الجبال الرواسي وتذيب الصخر وتذر الأطفال شيبا50، إنّ هذه المواقف والمشاهد وغيرها ممّا جرى في مجموع حركة أحداث نهضة عاشوراء، علامات مضيئة دالّة على المستوى السامي الذي كان عليه أبطال ملحمة النهضة الحسينية في مجال "جهاد النفس".
إذن فدرس عاشوراء الذي نستفيده من بلاغ "جهاد النفس" هو أنّ على الذين يخوضون غمار ميدان مواجهة الظلم أن تكون نيّاتهم خالصة، وأن يكونوا متحرّرين من أسر هوى النفس، وأُزيل من وجودهم الميل إلى التسلّط، وحبّ الشهرة وطلب الرئاسة، وحبّ الدنيا وتعلّقاتها، حتّى يتمكّنوا من الثبات والاستقامة على خطّ المواجهة، وإلّا فإنّ الخوف عليهم من التخلّي عن مواجهة الظلم، وعن تحقيق الهدف المنشود، ومن خطر الوقوع في شراك النفس الأمارة بالسوء، لا يزال باقياً كما هو.
كان الإمام الحسين عليه السلام يرى أنّ مواصفات إمام الهدى والحقّ أن يكون ملتزماً بدين الحقّ، واقفاً نفسه لذات الله وفي سبيله: "الدائن بدين الحقّ، والحابس نفسه على ذات الله"51.
يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره): "يجب أن تهذّبوا أنفسكم حتّى تستطيعوا القيام، وتهذيب النفس هو أن تتّبعوا أحكام الله"52.
وقال (قدس سره) أيضاً: "ما دمتم مكبّلين بأغلال أنانيّتكم وأهوائكم النفسيّة، فإنّكم لن تستطيعوا "الجهاد في سبيل الله" ولا الدفاع عن "حريم الله" "53.
لقد كان جميع شهداء عاشوراء من أهل "جهاد النفس"، وهذا هو أيضاً بلاغهم إلى الأجيال المقبلة.
الشجاعة
الشجاعة: شدّة القلب54 عند البأس، فالإنسان الشجاع هو ذو القلب الشديد الثابت في مواجهة الشدائد والأخطار، وأكثر ما تستعمل هذه الكلمة في قضايا الكفاح والجهاد والحرب، وعدم الخوف عند مواجهة العدوّ في النزال. وهذه القوّة القلبيّة، والطاقة الروحيّة، وصلابة الإرادة، هي السبب في عدم خوف الإنسان من التصريح بالحقّ أمام الظالمين، ومن المواجهة والكفاح أيضاً إذا اقتضى الأمر ذلك، وفي عدم الخوف من الفداء والتضحية أيضاً، وعند الموقف الذي يخاف أغلب النّاس فيه تكون الشجاعة ألّا يخاف الإنسان على رغم وجود أسباب الخوف، وألّا يتزعزع، وأن يتغلّب على المشكلات، وأن يتّخذ القرارات الحقّة الصائبة.
إنّ جميع القرارات والمواقف الرشيدة، وصناعة الملاحم البطوليّة في ميادين الجهاد، مدينة لفضل قوّة قلب وشدّة بأس الشجعان في الحرب. وجميع هزائم الطواغيت والقوى المتجبّرة، وإزالة عروشهم وأبّهتهم، مردّها أيضاً إلى شجاعة الأبطال أولي العزم الذين واجهوا أولئك الطواغيت وتلكم القوى.
إنّ عدم الخوف من الموت من المظاهر الواضحة للشجاعة، ولولا هذه الشجاعة بالذات لما اندفع الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره إلى حرب عاشوراء ليصنعوا هذه الملحمة الخالدة.
فحينما تحرّك الإمام عليه السلام من مكّة المكّرمة نحو الكوفة، كان جميع الذين التقوه

أثناء الطريق قادمين من الكوفة- أو كانوا على علمٍ بأوضاعها- يحذّرونه من مغبّة هذا السفر ويخوّفونه من عواقبه، بعد ما يخبرونه بأوضاع العراق المضطربة واستيلاء ابن زياد على مجاري الأمور، وتسلّطه على النّاس هناك، لكنّ شجاعة الإمام عليه السلام وعدم خوفه من الموت -فضلاً عن مضيِّه عليه السلام لتنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - حتّما إصراره على مواصلة الطريق إلى الكوفة، وقد صرّح عليه السلام عند لقائه بجيش الحرّ ابن يزيد الرياحيّ قائلاً: "أبالموت تخوّفني؟! 55"، وقال عليه السلام في موقع آخر: "لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد"56، ويخاطب عليّ الأكبر عليه السلام أباه عليه السلام في الطريق بعد أن قصَّ عليه رؤياه قائلاً: "يا أبه! أفلسنا على الحقّ؟ فقال: بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد. فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت!..."57.
إنّ خصلة الشجاعة في بني هاشم أمر ذائع الصّيت في النّاس، ولا يقوى على إنكاره أحد، ولقد صرّح بذلك الإمام السجّاد عليه السلام في خطبته المثيرة في مجلس يزيد قائلاً: "أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة..."58.
والأسمى من كلّ ذلك، الشجاعة التي أظهرها الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره من أهل بيته وأصحابه في الميادين المختلفة من نهضته المقدّسة عامّة، وفي ميدان كربلاء يوم عاشوراء خاصّة، هذه الشجاعة الفريدة التي يشكّل الحديث فيها كتاباً مفصّلاً، فمثلاً الشجاعة ورباطة الجأش التي أبداها مسلم بن عقيل عليه السلام في الكوفة عند قتاله الجيش الذي أرسله ابن زياد لمحاصرته واعتقاله، أو شجاعة ومبارزات أنصار الإمام عليه السلام في ميدان كربلاء التي أذهلت الأعداء وأرعبتهم إلى درجة أن اضطّر أحد قادة الجيش الأمويّ وهو عمرو بن الحجّاج الزبيديّ أن يصيح بجنودهم: "يا حمقى! أتدرون من تقاتلون؟! فرسان المصر! قوماً مستميتين! لا يبرزنَّ لهم منكم أحد..."59، أو شجاعة ورباطة جأش عبد
الله بن عفيف الأزديّ (رضوان الله عليه) الذي وقف ذلك الموقف الجريء في وجه ابن زياد في مجلسه فقال كلمة الحقّ، ثمّ قتاله جنود ابن زياد الذين هجموا عليه في داره قتالاً باسلاً وهو أعمى! ومئات الأمثلة الأخرى على تلكم الشجاعة والبسالة، حتّى أنّ الأعداء وصفوا الحسين عليه السلام وأنصاره بهذا الوصف: "ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها، كالأسود الضارية،... تلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة..."60.
إنّ شجاعة أبطال عاشوراء مستمدّة من عقيدتهم ويقينهم، وأولئك الذين يقاتلون عشقاً للشهادة ليس في قلوبهم خوف من الموت حتّى يضعفوا عند مواجهة العدوّ، ولذا كانت عساكر الأعداء تفرُّ باستمرار من بين أيديهم، ولأنّ الأعداء لا جرأة لهم على المبارزات الفرديّة قبال هؤلاء الشجعان، من هنا فقد كانوا يعمدون إلى الحملات العامّة على الفرد الواحد من أبطال عاشوراء، أو يمطرونه بالحجارة من بعيد، يقول حميد بن مسلم- وهو أحد رواة وقائع عاشوراء- واصفاً شجاعة الإمام عليه السلام ورباطة جأشه: "فوالله! ما رأيت مكثوراً قطّ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه عليه السلام، إنْ كانت الرّجالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه، فتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب!"، فلمّا رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن استدعى الفرسان، فصاروا في ظهور الرّجالة، وأمر الرماة أن يرموه، فرشقوه بالسهام حتّى صار كالقنفذ...61
حتّى لقد أشادت نصوص زيارات متعدّدة بشجاعة الإمام عليه السلام وشجاعة أنصاره، حيث أثنت عليهم بتعابير مثل: "بَطل المسلمين"، "فرسان الهيجاء"، "ليوث الغابات"62.
لقد كانت واقعة عاشوراء ولم تزل تُلهم المجاهدين في سبيل الله الشجاعة والبسالة والبطولة، وكان المحرّم الحرام ولم يزل يمنح النّاس روحيّة الشهامة ومواجهة الظلم،
وبتعبير الإمام الخمينيّ (قدس سره): "ابتدأ شهر المحرّم، شهر الحماسة والشجاعة والتضحية، الشهر الذي انتصر فيه الدم على السيف، الشهر الذي دمغت فيه قوّة الحقّ الباطلَ إلى الأبد، وختمت على نواصي الظالمين والحكومات الشيطانيّة بختم البطلان، الشهر الذي علّم الأجيال على مدى التاريخ طريق الانتصار على الحراب..."63.
ومع الانتباه إلى أنّ تيّار الشهامة والشجاعة يغمر حركة أحداث نهضة عاشوراء، ويموج في أفعال وأقوال أبطال ملحمة عاشوراء، فإنّ من الجدير أن يُبيّنَ محتوى هذه الحقيقة للناس عامّة، وللشباب منهم خاصّة، حتّى يأخذوا الدرس عن شجاعة أولئك الأبطال في نفس الوقت الذي يذرفون دموعهم الطاهرة بكاءً على مظلوميّة الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره (قدّس سرّهم).
كما أنَّ التذكير بشجاعة قلب مولاتنا زينب الكبرى عليها السلام وصلابتها في مواجهة المصائب والدواهي، وتحمّلها لجميع تلك الآلام والأحزان، وتماسكها عند استشهاد أخيها عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، وخطبها الناريّة في الكوفة وفي دمشق في مواجهتها جبابرة ذلك الزمان، يربّي نساءنا على الشجاعة والبسالة والصبر والتحمّل.
الصبر والثبات
من الضروريّ الصمود والثبات من أجل مواجهة الضغوط الداخليّة والخارجيّة ومن أجل التغلّب على المشاكل في طريق الوصول إلى الهدف المنشود، فبدون الصبر سواء في المقاومة والجهاد أو في أيّ عمل آخر لا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوّة، فلا بدّ للإنسان أن يكون صبوراً حتّى لا تزلزله المصائب وصعوبات الطريق، هذا ما يدعو إليه الدين في جميع المراحل، ونجد أنفسنا في عاشوراء أيضاً وجهاً لوجه أمام هذا التجلّي الروحيّ العظيم، فإنّ الشيء الذي سما بملحمة كربلاء إلى ذروة الخلود والتأثير والفتح المعنويّ هو روحيّة المقاومة والصمود التي تجلّت في الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره وأهل بيته.
لقد كان الإمام عليه السلام منذ أوائل نهضته وحتّى صبيحة عاشوراء يشترط فيمن يريد الانضمام إليه والالتحاق به أن يكون صابراً صامداً موطّناً على لقاء الله نفسه، ويروى أنّه كان من قوله عليه السلام في بعض المنازل أنّه قال: "أيّها النّاس! فمن كان منكم يصبر على حدّ السيف وطعن الأسنّة فليقم معنا، وإلّا فلينصرف عنّا"64.
إنّ ميدان الحرب والاقتتال مصحوب بالصدام والضرب والعطش والإرهاق والجراحات والموت والأسر ومئات المخاوف والأخطار الأخرى، ولذا كان الإمام الحسين عليه السلام يشترط لصحبته ومرافقته "الصبر" فيمن يلتحق به، حتّى يبقى ويثبت أنصاره الصابرون في ميدان النهضة إلى نهاية المطاف.
ونلاحظ شعار "الصبر والثبات" واضحاً جليّاً في خطب الإمام عليه السلام وفي رجزه ورجز أنصاره، لقد كان الصبر من الأمور التي أكّد عليها الإمام عليه السلام في وصاياه لأنصاره وأهل بيته، وخصوصاً ما أوصى به لمرحلة ما بعد استشهاده عليه السلام:
ففي يوم عاشوراء مثلاً، قال عليه السلام في خطبة خطبها في أصحابه:
"صبراً بني الكرام! فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة"65.
وممّا أوصى عليه السلام به أخته زينب الكبرى عليها السلام وبقيّة أخواته وبناته ونسائه ليلة عاشوراء قوله:
"... يا أختاه يا أمّ كلثوم، وأنت يا زينب، وأنت يا فاطمة، وأنت يا رباب! أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن عليَّ جيباً، ولا تخمشن عليَّ وجهاً، ولا تقلن هجراً..."66.
وبعد أن صلّى عليه السلام بأصحابه يوم عاشوراء، دعاهم أيضاً إلى الصبر والثبات قائلاً: " فاتّقوا الله واصبروا"67.
وكان شعار "الصبر والثبات" ظاهراً أيضاً في رجز أصحابه، فقد جاء مثلاً في بداية رجز خالد بن عمرو (رضوان الله عليه) قوله:
صبراً على الموت بني قحطان كيما تكونوا في رضى الرحمن
وجاء أيضاً في مطلع رجز سعد بن حنظلة التميميّ قوله:
صبراً على الأسياف والأسنّة صبراً عليها لدخول الجنّة68
إنّ "الصبر يهوّن الفجيعة"69 كما يقول الإمام عليّ عليه السلام، والإنسان الصابر كما يزداد بالصبر تحمّلاً للمصيبة وآلامها، فإنّه يشعُّ أيضاً على الآخرين روحيّة الصبر والثبات.
ولقد كانت أشدّ المصائب والصدمات الروحيّة التي تعرّض لها الإمام الحسين
عليه السلام مصيبة مقتل أبنائه وأنصاره من أهل بيته وأصحابه، لكنّه عليه السلام في جميع تلك الدواهي لم يتزعزع بل صمد وقاوم، ولم يستسلم لهول المصاب، ولم يهن ولم ينكل، وله تصريحات كثيرة مفعمة بالصبر على ما ألمّ به من عظيم الآلام عند فقد أعزّته وأنصاره من أهل بيته وأصحابه، ولقد أعدّ عليه السلام نفسه منذ البدء لتحمّل هذه النوازل، وقد صرّح بذلك في خطبته التي خطبها بمكّة قبيل خروجه إلى العراق، حيث قال: "نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين"70.
وفيما أوصى به الإمام عليه السلام أخته زينب الكبرى وباقي النساء وأهل بيته في ليلة عاشوراء ضمن ما أخبرهم به من حال الأعداء، أنّه قال:
"ذكّرتهم فلم يذكروا، ووعظتهم فلم يتّعظوا، ولم يسمعوا قولي، فما لهم غير قتلي سبيلاً، ولا بدّ أن تروني على الثرى جديلاً، لكن أوصيكنّ بتقوى الله ربّ البريّة، والصبر على البليّة، وكظم نزول الرزيّة، وبهذا وعد جدّكم ولا خلف لما وعد، ودّعتكم إلهي الفرد الصمد"71.
وفي يوم عاشوراء دعا ابنه عليَّ الأكبر عليهما السلام إلى التحمّل والصبر على العطش قائلاً: "اصبر حبيبي..."72، وكذلك خاطب أحمد بن أخيه الحسن عليهما السلام بعد أن عاد إليه من القتال عطشان بقوله: "يا بنيّ اصبر قليلاً..."73، وفي وداعه الأخير لحرمه أوصى ابنته سكينة عليها السلام قائلاً:
"فاصبري على قضاء الله ولا تشتكي"74، وكان من مناجاته العرفانيّة في آخر لحظات حياته وهو صريع على وجه الثرى، مخاطباً ربّه عزَّ وجلَّ: "صبراً على قضائك يا ربّ، لا إله سواك... صبراً على حكمك يا غياث من لا غياث له..."75.
إنّ تمسّك أهل المصيبة بالصبر، وسيطرتهم على أحزانهم وغمّهم، وتسليمهم
لمشيئة الله وتقديره، احتساباً ورجاءً لما عند الله من المثوبة والأجر، كما يزيد في ثوابهم عند الله تبارك وتعالى، كذلك ييسّرعليهم تحمّل لوعة فقد الأحبّة واستشهاد الأعزّة، خصوصاً إذا كان صاحب المصيبة لفقد الأحبّة ذا إيمان قويّ لا يسمح للجزع والاعتراض أن يحبطا أجره عند الله تبارك وتعالى.
كان عبد الله بن جعفر زوج زينب الكبرى عليها السلام قد بقي في المدينة ولم يلتحق بالإمام الحسين عليه السلام في خروجه إلى العراق (فقد قيل: إنّه مكفوف البصر)76، لكنّه كان قد شارك في الطفّ بولديه الذين استشهدا مع الإمام الحسين عليه السلام.
ولمّا بلغه مقتل ابنيه مع الحسين عليه السلام دخل عليه بعض مواليه والنّاس يعزّونه، فقال ذلك الرجل المولى: "هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين" فحذفه عبد الله ابن جعفر بنعله ثمّ قال: "يا ابن اللخناء! اللحسين تقول هذا؟! والله لو شهدته لأحببتُ أن لا أُفارقه حتّى أُقتلَ معه! والله إنّه لممّا يسخّي بنفسي عنهما، ويهوّن عليّ المصاب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيين له صابرين معه"77.
إنّ التأريخ دوّن لنا صبر وثبات شهداء كربلاء وذويهم عنواناً لمقام إنسانيّ فذّ ولخصلة أخلاقيّة سامية، وقد أثنت النصوص الواردة في زيارة هؤلاء الشهداء الأفذاذ ثناءً عاطراً على جهادهم وصبرهم وثباتهم.
نقرأ في إحدى زيارات الحسين عليه السلام:"فجاهدهم فيك صابراً محتسباً حتّى سُفك في طاعتك دمه!"78.
ونقرأ في أحد نصوص زيارة أبي الفضل العبّاس عليه السلام:"فنعم الصابر المجاهد المحامي الناصر..."79.
لقد كانت واقعة كربلاء مدرسة الصمود، وكان أبطال ملحمة عاشوراء قدوات الصبر والتحمّل والثبات، كما استوعبت عوائل الشهداء أيضاً درس الصبر من زينب الكبرى عليها السلام، وتحمّلت الأمّهات والزوجات والآباء لوعة فقدان أعزّتهم الشبّان تأسّياً بكربلاء.
يقول إمام الأمّة في ترسيم صبر ومقاومة الشعب الإيرانيّ قبال حملات العدوّ على المدن، وفي الثناء على صبر ويقظة هذا الشعب:
"بارك الله في أعزّتنا عوائل الشهداء، والمفقودين، والأسراء، والمعلولين، وفي الشعب الإيرانيّ، الذين تحوّلوا بثباتهم ويقظتهم ومقاومتهم إلى بنيان مرصوص، لا يرعبهم تهديد الدول العظمى، ولا يأنّون لشدّة الحصار وقلّة الإمكانات... يفضّلون الحياة العزيزة في خيمة المقاومة والصبر على الحياة في قصور الذلّة والعبوديّة للدول العظمى، وعلى الصلح والسلام المفروض"80.


 

رد مع اقتباس
قديم 28-01-2013, 03:41 PM   #4
تفاحة الجنان
♣المراقبة العامة ومشرفة ركن الديكور& الأعمال يدوية و الكروشية ♣~●رحمَـ رَبــِـي ــــاكـَ●~


الصورة الرمزية تفاحة الجنان
تفاحة الجنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1909
 تاريخ التسجيل :  Sep 2009
 أخر زيارة : 05-07-2014 (04:02 AM)
 المشاركات : 13,775 [ + ]
 التقييم :  35258
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
●● ﯛډي آمـﯛت آڸيـﯛم ﯛآعيـڜ بـآڳـړ
●● ﯛآشـﯛڣ مـن هـﯛ ٻعـﮃ مـﯛتـي ڣـقډنـي
لوني المفضل : Dodgerblue
افتراضي رد: البلآغات الأخلآقية



اللهم صل على محمد وآل محمد
مشكوره
تسلم ايدك
وربي يعطيك العافيه


 
 توقيع : تفاحة الجنان






رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الفاطميات الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 (0 فاطمية و 1 زائرة )
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010